|
الجمال _لغة_ ما يؤثر
في النفس البشرية وينعكس عليها ماديا ومعنويا ..
فالإنسان .. والحيوان .. والنبات.. والجماد بيئة الجمال، تكمن فيها معانيه
وتحيط بها وتؤثر فيها وتتأثر بها.. فالبسمة على وجه طفل.. جمال ، واللوحة
المرسومة على جدار معبد من معابد مصر القديمة تكاد تنطق جمالا وروعة..
والجدول الرقراق الذي تنساب مياهه في وداعة وسكون صورة ناطقة بالجمال..
والسفن إذ تمخر عباب البحر اللجي في تؤدة ورسوخ يحمل الحياة إلى محبي
الحياة.. جمال،والبلبل الشادي في جوف ليلة هادئة يسري نسيمها إلى الأفئدة
فينعشها، ويسبح بحمد خالق الأكوان_ وإن كنا لا نفقه تسبيحه_ آية من آيات
الجمال.
الخمائل النابضة بالسحر، والتي تباهي الأرض اليباب بأزاهيرها وورودها
وطيورها الصادحة وأشجارها الباسقات وأغصانها الحانيات.. هذه الخمائل
آية من آيات الجمال
وإذا كان الإنسان والحيوان والنبات والجماد بيئة الجمال.. فالنيل_ على
وجه الخصوص _ بيئة جمالية منفردة .. يسكن ضفافه الإنسان والحيوان.. وعلى
شاطئيه ينبت العشب الأخضر ، وفي مجراه ينساب ماؤه العذب الرقراق يروي
ظمأ العطشى.. وينبت طعام الجياع .. ويعيش في باطنه مئات الآلاف من كائنات
النهر..أحيا به الله أرض ميتا وسقى منه أمة عطشى.. خلق الله نهر النيل
واختص به مصر والمصريين.. فتبارك الله أحسن الخالقين.
**************
يعرف الجمال أنه_ بوجه عام_ "صفة تلحظ في الأشياء ، وتبعث في النفس سرورا
ورضا" ويعرف _ بوجه خاص_ بأنه " إحدى القيم الثلاث التي تؤلف مبحث القيم
العليا ، وهي عند المثاليين صفة قائمة في طبيعة الأشياء ، وبالتالي
هي ثابتة لا تتغير ن ويصبح الشيء جميلا في ذاته ، بصرف النظر عن ظروف
من يصدر الحكم. وعلى عكس هذا يرى أنصار الطبيعة أن الجمال اصطلاح تعارفت
عليه مجموعة من الناس متأثرين بظروفهم_ وبالتالي يكون الحكم بجمال الشيء
أو قبحه مختلفا باختلاف من يصدر الحكم..
والجمال يذكّر ويؤنّث .. وهو على القبح.. وقد ارتبط الجمال_ دائما_ بالمرأة..
فيقال امرأة جميلة أي أنها متكاملة ذات جمال صريح وخفي، يتجلى جمالها
الصريح في العيون وفتنة القوام وسواد الليل في الشعر .. أو سبائك الذهب
في جدائله .. أما جمالها الخفي فينساب من سماحة روحها .. أو عذب صوتها
وحيائها..أو من أشياء أخرى لا تراها العيون مثل الفتنة والدلال مما عبر
عنه المبدعون من الأدباء والشعراء والمثالون والرسامون.. وهل هناك فتنة
وجمال يضارعان جمال وجه نفرتيتي الأميرة المصرية في تمثال رأسها الشهير،
وذلك الوجه الذي جمع جمال النفس وما يوحي به من شموخ وعظمة، وبين الجمال
الحسي الظاهر في قسمات الوجه الدقيقة المتناسقة في أبهى صورة من صور
الجمال. ومما لا شك فيه أن فنون المصريين القدماء هي أحسن ما خلفوه،
فهي المرآة التي تعكس لنا بوضوح حضارة هذا الشعب وتقدمه. وهي في نفس
الوقت سجل حضاري يوضح لنا الأجواء الفكرية التي عاش فيها هذا الشعب.
وقد نشأت هذه الفنون في البيئة المصرية، وتطورت منذ فجر التاريخ وحتى
نهاية العصر الفرعوني، وهي فنون التزم فيها الفنان بقواعد معينة أملتها
عليه البيئة التي امتازت بالهدوء وتطورت وازدهرت متأثرة بعناصر حضارية
مصرية بحتة، غذتها البيئة المصرية.. وتعهدها العقل المصري المرهف الحس،
وطورتها الأحداث المصرية .. السياسية منها والاجتماعية.
ويقوم الفن المصري على أصول مستقلة متفوقا على كل فنون البلدان الأخرى
التي كانت تعاصره، وهو فن يعبر عما يجيش في صدور الناس من عنف وقوة بسبب
الحروب والانتصارات، وبرغم هذا فهو فن يمتاز بالهدوء والاستقرار، ويميل
إلى الزخارف البسيطة ويبتعد عن الزخارف المعقدة مع تفضيل الخطوط المستقيمة.
وقد حرص الفنان المصري القديم على تصوير الأشكال من الناحية التي تظهرها
واضحة تمام الوضوح مبرزة أهم مظاهرها وخصائصها، ويعتمد في ذلك على الصورة
المطبوعة في مخيلته، لا الصورة التي التقطتها عينيه. فمثلا رسم جسم
الإنسان من الجانب بوجه عام.. لكنه فضل رسم العين والأذن والكتفين من
الأمام،ذلك لأن صورة كل منها في مخيلته هي الصورة الأمامية. كذلك_ مثلا_
رسم الثور من الجانب.. لكنه أضاف إليه قرنين كأنما ينظر إليه من الأمام،
وذلك لاعتقاده بأن القرنين هما أهم خصائص هذا الحيوان مخالفا بذلك ما
يقتضيه الرسم المنظور. كذلك فعل البومة فصورها من الجانب إلا أنه رسم
وجهها كاملا مستديرا لاعتقاده بأن الوجه المستدير والعينين الواسعتين
هما أهم مظاهر هذا الطائر.
كما حرص الفنان المصري القديم على رسم الأشخاص تبعا لمراكزهم بالنسبة
للبلاد المصرية، فصور الآلهة والملوك بحجم كبير نوعا ، وتفوق في حجمها
أحجام كبار الشخصيات من مرافقيهم ،حتى يتفق ذلك مع مكانتهم الرفيعة والوقار
الواجب إحاطتهم به.. وذلك دون أن يخل بقواعد رسم المنظور. مع حرصه على
تصوير الآلهة والملوك والعظماء في أوضاع محددة تنم عن مكانتهم، ورسم
في أيديهم ما يدل على تلك المكانة الشريفة مثل الصولجان أو العصا الطويلة
بحيث لا يخفى جزءا من الجسم جزءا آخر ولا يقطعه.
وكانت الصورة تمثل عند المصري القديم نوعا من "الخلق"ينم عن جوهر ما
تمثله وتكون جزءا من شخصيته تتأثر به وتؤثر، فالصورة ما دامت كاملة فهي
تمثل صاحبها كاملا، فالصورة عند ذلك الفنان تعبر عن " حقيقة" صاحبها
وعن حقيقة مفردات المنظر وكأن عقيدته الدينية قد ألزمته باتباع هذه "الحقيقة"
وينصب هذا المنطق أيضا على الكتابة الهيروغليفية . وهذه الصفات ينفرد
بها الفن المصري القديم ، بمعنى أننا لا نجدها قي أي فن من فنون الشعوب
المعاصرة له. ولم يكن الفنان المصري القديم يجهل طريقة المنظور، لكنها
لم تلائمه ولم تحقق أغراضه الدينية التي تستهدف توضيح "حقيقة" الشيء
وليس مظهره الخارجي فحسب.
ونعود مرة أخرى إلى موضوع كتابنا " الجمال والتجميل في مصر القديمة"..
وحسبنا أن نلقي الضوء على صور هذا الجمال الذي تجلى في البيئة التي خلقها
الله والمتمثلة في الإنسان والحيوان والنبات والجماد.. في مصر القديمة..
تلك الأرض العبقرية بكل معاني الكلمة.. وسنجد أن الجمال معادل موضوعي
لمصر قديما وحديثا..بل قد نتجاسر فنقول إن مصر معادل موضوعي للجمال على
نحو ما سنفعله إن شاء الله في صفحات هذا الكتاب.. والله ولي التوفيق.
|